بقلم-مجدي ملاك
الأزمة المالية العالمية التي تعصف بالعالم في الوقت الحالي يجب أن تعطي لنا دروس وفرصة للتأمل في ماهية الأزمة الحقيقية التي يعاني منها العالم، وإربتاط تلك الأزمة بأشياء أخرى هي في صميم المقانة والمقاربة بين المال والقيم وإرتباط نكسات إقتصادية بأخرى توازيها على المستوى القيمي وذلك لأن لا أحد يمكن أن ينكر تأثير البعد المالي والإقتصادي على البعد القيمي الذي أصبح يشكل واحد من أهم أسس البناء الإجتماعي في أحد أهم معطيات القياس .
فمع الإشتراكية كنظام إقتصادي ظهرت مجموعة من القيم والمعايير التي ربما عمقت أو سطحت من مفاهيم أخرى كانت سائدة قبل ظهور هذا النظام لتتوازي المفاهيم والنظم الإقتصادية مع معايير وقيم منها ما هو أخلاقي ومنها ما هو معياري يرتبط بتحقيق المصلحة العامة، ولكل نظام إقتصادي تأثير قيمي يشكل الأكبر في التأثيرات التي تحدد ماهيات المجتمع وقدرتها على التأثير في الآخر .
ومع الرأسمالية إختفت مجموعة من القيم وحلت محلها قيم أخرى، ونحن هنا ليس في صدد البحث عن أي من الأنظمة الإقتصادية حمل معه مجموعة أعمق أو أفضل من القيم ولكن المهم في القضية أن كل نظام تصاحبه مجموعة من القيم التي هي نتاج ذلك النظام وتأثيره في الأغلب، ومن ثم فعند التحليل المبدئي لأزمة المال العالمية نجد أن هذه الأزمة ستحمل في طياتها تهديد مؤكد للقيم التي تصاحب هذا النظام الذي أصبح يسود معظم العالم، والفكرة الأساسية أن إنهيار او صمود تلك القيم سوف يعتمد بشكل أساسي على المدى الذي كان يؤمن فيه الناس بقوة تلك القيم في علاقتها بالنظام المالى السائد على مستوى العالم .
ومن ثم فأننا لا يمكن أن نقول أن إنهيار النظام المالي العالمي يرتبط بإنهيار القيم بقدر ما هو مرتبط بقوة تلك القيم وإرتباط الأفراد بها في تحقيق المعادلة الصعبة– المستحيلة في أن تستمر الأفراد في الإيمان بقوة قيمها ولو تخلت عنه القوة المالية، وهو أمر يعد غاية في الصعوبة ولكنه ليس مستحيل .
وبالمدى الذي عمق النظام المالي الرأسمالي من قيمه او سطح منها سوف يكون الإختبار الحقيقي للافراد في تحمل الضعوط حتى إنتهاء الأزمة .
واياً كانت النتيجة فهناك إحتمالين، الإحتمال الأول أن تصمد القيم نظراً لعمقها أمام تلك الأزمة وتنتصر القيم على الازمة المالية والمال، والإحتمال الثاني أنها لن تستطيع أن تصمد وهنا من المحتمل أن تتغير بنية المجتمع القيمي العالمي، لتحل محله مجموعة قيمية أخرى ستكون بمثابة بداية جديدة لنظام إقتصادي جديد سيخلق نفسه مع النظام الجديد الذي لم تتحدد ملامحه بعد .