بقلم – مجدي ملاك
قبل أن تقرأ هذا المقال أود أن أؤكد احترامي الشديد للعقيد الإسلامية وللإخوة المسلمين وعلى حقهم الكامل في ممارسة طقوسهم وفي استخدام كافة وسائل التشجيع لذلك، وذلك حتى لا يفهم أحد خطأ أن هذا المقال ضد العقيدة أو الأفراد.
ولكن دعنا نقرأ هذا الخبر أولاً ثم نفند ما فيه حتى نصل لمغزى ما نريد الوصول إليه في هذا المقال والخبر يقول:
" يشهد الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر وعدد من الوزراء خلال الشهر الحالي حفل تكريم حفظة ومحفظي القرآن الكريم حيث يتم توزيع جوائز مالية ورحلات عمرة بقيمة نحو16 مليون جنيه،, صرح بذلك الشيخ عبد الفتاح علام وكيل الأزهر الشريف خلال لقائه بطلاب الفوج الأول بمدينة البعوث الإسلامية بالإسكندرية وعددهم150 طالباً يمثلون90 دولة عربية وإفريقية وأوروبية.
وأضاف أنَّ القران الكريم، هو منهج الله الذي أنزله ليهتدي به عباده،, وأنَّ التمسك بتعاليمه يحقق الفلاح في الدينا والآخرة. "
إذاً الخبر ومحتواه الأساسي هو تخصيص 16 مليون جنيه لحفظة القرآن ومحفظيه، والسؤال الأول الذي تبادر لذهني هل الدين وتعليمه يستحق كل هذه الميزانية؟ وذلك على أساس أنَّ الدين هو عمل روحي بالأساس وليس عمل دنيوي، وإذا كانت الإجابة بنعم واعترفنا جميعاً أنَّ هذا الأمر يحتاج إلى كل هذه الميزانية الضخمة، فالسؤال التالي:" من أين يأتي تخصيص هذه الأموال ؟هل من ميزانية الدولة ؟ وإذا كانت الإجابة بلا، فلا توجد أدنى مشكلة في ذلك، ولكن إذا كانت الإجابة بنعم فتلك المشكلة الأكبر والأزمة الكبيرة.
إنَّ تخصص الدولة من ميزانيتها 16 مليون جنيه لهذا الغرض، والأزمة هنا ليس لأنها تخصص هذا المبلغ لحفظ القرآن، ولكن المشكلة الأكبر أنَّها تخصص هذا المبلغ لفئة معينة فقط من الناس وبهذا المبلغ الكبير، وكأنَّ وظيفة الدولة الرئيسية هي تخصيص جزء من ميزانيتها لصالح فئة وتغييب فئات أخرى داخل المجتمع، فإذا اعترفنا ضمنياً بأنَّ الدولة المصرية للكل، فكيف تخصص مبالغ مالية لفئة على حساب الأخرى، وإذا اعتقدنا بأنَّ الدولة المصرية للمسلمين فقط، فلماذا مادة المواطنة هي المادة الأولى من الدستور؟
حقيقة الأمر، لا يستقيم أن يظل التناقض قائم في الدولة المصرية بهذا الشكل، وأنا أدعو كل المسلمين المستنيرين لتصور ذلك الأمر من وجهة نظر العدل والمساواة ومبادئ المواطنة، إذا أرادت الدولة أن تلبس عباءة الدين، فيجب أن تساوي في ذلك بين كل الأديان وبين كل المواطنين، وإلا معنى ذلك أنَّ الدولة لا تعترف أو أنَّها تحتقر الأديان الأخرى ولذلك تحابي فئة على حساب فئة أخرى، أو أن الدولة والنظام السياسي يعتقد أن جزء من شرعيته أن يحابي تلك الفئة على أساس الظهور بمظهر النظام المؤمن لدولة مؤمنة وهو أمر جد خطير بكافة المقاييس، وأنا شخصياً لا أقبله حتى لو كان هناك قرار بتخصيص 10 آلاف جنيه لحفظة الإنجيل من الدولة دون أن يكون مقابله نفس المبلغ لجميع الفئات التي يحتويها المجتمع، فإما أن نقبل المساواة للكل أو نقبل بالدولة المدنية التي تهتم بالأمور العامة فقط وتترك الخاص والديني لمن هم أهل به.
إنَّه بالفعل استفزازاً لنا، ولنا هنا تعني كافة الفئات الأخرى التي تشكل في مجموعها المجتمع المصري، لذا اعتقد أنَّه على الدولة أن تراجع نفسها في تلك الأمور، والمراجعة هنا ليست بالضرورة تعني التراجع عن هذا ولكن على الأقل المساواة فيها، فكيف لنا أن نتصور أن هذه الأموال من ميزانية الدولة التي يشارك فيها الأقباط وغيرهم بالضرائب وعلى الرغم من ذلك تذهب الأموال لفئة دون أخرى، إنه منطق معكوس وليس له أساس وظالم ومستفز أيضاً، فهل سوف تستمر الدولة المصرية حريصة على استفزاز شعورنا بهذه الأمور لتثبت كل يوم أنَّها لا تراعي مشاعر أو حقوق الآخرين؟