|
بقلم- مجدي ملاك
قرأت العديد من التحليلات المختلفة طوال الأسبوع المنصرف حول دير أبو فانا، منها على سبيل المثال مقال للكاتب المحترم الدكتور "عمرو الشوبكي" بعنوان الطائفية والطائفية المضادة، ومقال للأستاذ سامح فوزي بـ "روز اليوسف" عن الجانب الجنائي في أحداث أبو فانا وغياب القانون، وغيرها لهاني لبيب وآخرين منهم مقال لإبراهيم عيسي على سبيل المثال حول علاقة الكهنة بالأمن، وغيرها من التحليلات التي احترمها وإن اختلفت في التفسير مع بعضها حول جنائية الحادث أو طائفيته، فمعظم من ذكرتهم كانت تدور مقالاتهم على اعتبار أن الحادث جنائي في إطار غياب كامل للقانون، وأن هناك استقواء من الأقباط في بعض الأوقات نتيجة ما يتعرضون له من تجريح في معتقداتهم، وهو ما يجعلهم يفرغون تلك الشحنة في أحداث مثل أبو فانا، ولكن ما يجب أن ندركه انه وبصرف النظر عن جنائية الحادث أم طائفيته، فهناك أمر يجب أن نلتفت إليه في ذلك الحادث وهو أمر لا يتعلق فقط بغياب القانون بل يتعلق بغياب الإدراك الحقيقي لما وصل إليه المجتمع من احتقان، فلندع توصيف الحادث جانباً سواء كان طائفياً أو جنائياً، ونحاول أن نتأمل أن يقوم بعض من أفراد المجتمع بتعذيب شركاء لهم في نفس المجتمع ومطالبتهم بقول الشهادة، وبصرف النظر عن إجرامهم أو وراعتهم فهناك حقيقة يجب الاعتراف بها، أنه لو لم يشعر هؤلاء بأن المناخ الحالي وما يسمعونه وما يحدث بشكل عام يتيح لهم إجراء مثل هذا التعذيب إلى حد مطالبتهم للرهبان بقول الشهادة التي أغلب الظن أنهم لا يعرفون كيف تكتب فهو أمر له تفسير واحد فقط أننا نعيش الآن مرحلة جديدة من الاحتقان.
فالمشكلة ليست فقط في طائفية الحدث أو جنائيته، ولكن في طبيعة تناوله ومسلكه، فحين يتطرق الأمر إلى إمكانية التعذيب من أجل استهداف الإيمان، فهنا نحن أصبحنا نتحدث عن بُعد أخلاقي آخر غاب عن التحليل، وإذا كانت الشريعة الإسلامية نفسها تُقر أنه "لا إكراه في الدين"، إذاً ما يحدث لا يتعلق بنص ديني يحاول القائمون تنفيذه، على الرغم أن الأعراب أغلب الظن لا يعرفون نصوص القرآن، ولكن علينا افتراض أنهم يعرفونه، وهنا تكمن خطورة الحدث ، فغياب القانون أمر يشعر البعض أنه طبيعي في ظل بلد تحكمه اعتبارات غير متوازنة للقائمين على تنفيذه، ولكن أن يصاحب غياب تطبيق القانون غياب لتطبيق الأخلاق فهو الأمر الأسوأ في هذه الحالة.
وغياب الجانب الأخلاقي في هذا الحدث تمثل في عدد من الاعتبارات منها التصريح المستمر للمحافظ بأن إطلاق النار كان متبادل مع ما يعنيه ذلك من إظهار الدير بمظهر المؤسسة العسكرية، وليست مؤسسة إيمانية، وهو ترسيخ لفكرة طالما حاول البعض ترويجها للنيل من سمعة الأديرة المصرية، وهو أمر برمته غير أخلاقي من جانب القائمون على الأمور.
المظهر الآخر من غياب البعد الأخلاقي أن يحاول المحافظ وبعض الأقلام إعطاء انطباع أن الدير يحاول التوسع على أراضي الدولة بشكل غير قانوني وهو ما يعني ضمنياً أن الدير لا يحترم القانون وهو أمر أيضاً غير أخلاقي أن يصور الدير والرهبان على أنهم مجموعة من الأفراد تسعى للاستيلاء على أرض للدولة، وهو أمر أيضاً غير أخلاقي، وعدم أخلاقيات هنا لا تنبع من عدم إمكانية حدوث ذلك، ولكنها نابعة من أن المسئولين يطلقون تلك الاتهامات دون أن يكون هناك مستند واحد يدل على صحة ما قيل، ولو كانت هناك مستندات على ذلك لماذا لم تنشر في الصحف حتى نُقر بها؟؟!!
بُعداً آخر غير أخلاقي في ذلك الحادث وهو قيام الدولة بالقبض على مجموعة من الشباب المسيحي لمساومة الكنيسة على الصلح وبصرف النظر عن ما حدث، وهو أمر غير أخلاقي أن تسلم بمسار المساومة في قضية لم تتضح معالمها بعد.
غابت العديد من المعايير الأخلاقية في حادث أبو فانا وهو ربما جزء من غياب تلك المعايير بشكل عام التي أصابت المجتمع نتيجة العديد من الأمور ليست مجال حديثنا الآن، ولكن النتيجة المؤكدة التي يمكن الخروج بها من هذا الحادث أنه أثبت غياب الأخلاق عن التناول وبصرف النظر كان الحادث جنائي أم طائفي.
|